التخطي إلى المحتوى
البابا بنديكتوس السادس عشر: رأس الكنيسة الذي أثار حفيظة المسلمين والسكان الاصليين في أمريكا الجنوبية-الحرية نيوز

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار في المقال الآتي: البابا بنديكتوس السادس عشر: رأس الكنيسة الذي أثار حفيظة المسلمين والسكان الاصليين في أمريكا الجنوبية

صدر الصورة، Getty Images

توفي البابا السابق بنديكتوس السادس عشر في مقر إقامته في الفاتيكان عن 95 عاماً صباح اليوم حسب بيان اصدره الفاتيكان.

جاء انتخاب البابا بنديكتوس السادس عشر، رغم أنه كان متوقعا على نطاق واسع، تكليلا لمسيرة صعود سريعة ومثيرة للجدل الى حد بعيد لجوزيف راتزينغر.

كان أنصار البابا بنديكتوس، البابا رقم 265 في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، يصورونه باعتباره رجلاً مثقفاً بذل جهودا مضنية للمحافظة على الإرث الروحي الذي أورثه إياه البابا يوحنا بولص الثاني.

ولكن بالنسبة لخصومه كان بنديكتوس الداعية الاكبر والحارس الامين لمواقف الكنيسة المتشددة ازاء مواضيع شتى كالاجهاض ومنع الحمل.

والغضب الذي كان يثيره احيانا بدا متوقعاً بالنسبة لشخص لم يكن يخشى أبدا من احتمال ازعاج الناس اذا كان يعتقد انه ينبغي قول أو عمل أمر ما.

كان راتزينغر يبلغ من العمر 78 عاما عند اعتلائه عرش القديس بطرس، ولذا تظافر العمر والمرض على تقصير فترة ولايته. ففي عام 2013، اعلن نيته التنحي، ليصبح أول بابا يتخلى عن المنصب اختياريا منذ أكثر 600 سنة.

ولد جوزيف الويسيوس راتزينغر في اسرة كاثوليكية محافظة في الـ 16 من نيسان / ابريل 1927 في ولاية بافاريا الالمانية الجنوبية. وكان والده ضابط شرطة لديه ما وصفه ابنه لاحقا بـ “جذور ريفية بسيطة”.

امتزجت فترة شبابه بالحرب العالمية الثانية إل حد بعيد، إذ أجبر على الانضمام الى تنظيمات شبيبة هتلر، وخدم في وحدة مدفعية مضادة للطائرات كانت تتولى حماية مصنع لشركة بي ام دبليو خارج ميونيخ.

وفي وقت لاحق، شارك في حفر خنادق مضادة للدروع قبل أن يفر من الخدمة العسكرية ويستسلم للحلفاء في اواخر الحرب. قال راتزينغر عن تلك الفترة “خلال ثلاثة أيام من المسير، سرنا في طريق خالية في طابور اصبح تدريجيا بلا نهاية. كان الجنود الامريكيون – الشباب منهم على وجه التحديد – يلتقطون صورا لنا ليأخذونها معهم عندما يعودون الى وطنهم تذكارا لجيش مكسور وجنوده البؤساء”.

صدر الصورة، AFP

التعليق على الصورة،

اسرة راتزينغر (جوزيف هو الواقف الى اليمين)

درس راتزينغر اللاهوت في جامعة ميونيخ من عام 1946 الى عام 1951، وفي حزيران/ يونيو 1951، رُسِم هو وشقيقه جورج كاهنين.

وبعد اكماله شهادة الدكتوراه في اللاهوت، اصبح الأب راتزينغر استاذا جامعيا يدرس مادتي العقيدة واللاهوت الاساسي في عدد من الجامعات منها جامعات فرايسينغ وبون ومونستر.

وكان راتزينغر آنذاك من اقوى مؤيدي البرنامج الاصلاحي الليبرالي الذي كان يدير المجمع الفاتيكاني الثاني.

اضطراب

وبعد تعيينه في جامعة توبينغن جنوبي المانيا في عام 1966، أصبح من الاصدقاء المقربين من عالم الدين الليبرالي هانز كونغ.

الا أن راتزينغر منع كونغ لاحقا من التدريس في الجامعة بعد أن رفض الاخير فكرة عصمة البابا، رغم أن كونغ هو الذي عين راتزينغر في جامعة توبينغن.

وكان راتزينغر ضمن 1360 عالما بارزا ومتمرداً وقعوا بيانا شهيرا في عام 1968 أكدوا فيه على حقهم في استكشاف العقيدة الكاثوليكية.

ورفضت تلك المجموعة هيمنة الفاتيكان، وجادلوا بأنه ينبغي أن يكون للكاثوليك الحق في التشكيك في القرارات التي تصدرها السلطات الكنسية.

لكن الاضطرابات السياسية التي شهدتها أوروبا والولايات المتحدة عام 1968 أدت الى تحول جذري في مواقف راتزينغر اللاهوتية.

فقد اندلعت في توبينغن مظاهرات طلابية مشابهة لتلك التي وقعت في الولايات المتحدة وباريس، وانتشرت في الجامعة التي كان يحاضر فيها منشورات تصف الصليب بأنه “صنيعة سادوماسوشية”، كما قام طلاب راديكاليون بالقاء الطماطم في قاعات المحاضرات بغية عرقلة النشاطات التدريسية.

قرر راتزينغر، الذي صدمه ما شهده من فورة اللاهوت الراديكالي، ترك توبينغن والتوجه الى جامعة ريجنزبورغ الاكثر محافظة.

وكما قال مساعده السابق ولفغانغ باينرت “اعتقد راتزينغر بأنه مسؤول ومذنب نوعاً ما عن الفوضى التي وقعت، وان الجامعة والمجتمع والكنيسية كلها آيلة للانهيار”.

منذ ذلك الوقت كف راتزينغر عن التفكير في كيفية اصلاح الكنيسة وتهشيم هيكلها الهرمي المتصلب وفي تعزيز أواصر العلاقة بين الفاتيكان والرهبان الكاثوليك.

بل أصبح بدلا من ذلك مدافعا متحمسا عن الاستمرارية والاصولية، معتقدا أن العودة الى الأصل ستشكل سدا منيعا امام الانشقاقات في عالم كان يرى أنه بدأ بالغرق في بحر من العدمية والانحطاط.

أصبح راتزينغر بذلك من المرشحين الأوفر حظا للصعود السريع في سلم مناصب الكنسية، لذلك لم يفاجأ احد عندما عينه رفيقه الروحي البابا بولص السادس اسقفا لميونيخ ومن ثم كاردينالا في عام 1977.

ولم ينتظر راتزينغر طويلا قبل أن يصدر نداء استدعائه الى روما. ففي عام 1981، عينه البابا يوحنا بولص الثاني في منصب حساس هو منصب رئيس مجمع العقيدة والإيمان، أحد أهم المناصب في الفاتيكان.

وكان راتزينغر قد انتقد هذا المجمع المسؤول عن نقاء الكنيسة الديني، على أنه “هيئة تعمل بسلاسة مبالغ بها تبت في قضية قبل أن تناقشها تقريبا”

ولكنه تولى عمله الجديد بكل ما عرف عنه من حماسة ونشاط. ففي ثمانينيات القرن الماضي، تزعم الحملة التي شنتها الكنيسة ضد “لاهوت التحرير”، وهو خليط من الكاثوليكية والماركسية كان اكتسب شعبية واسعة في امريكا اللاتينية على وجه الخصوص.

كما اعتمد خطا غير مهادن داخل الكنيسة الكاثوليكية، إذ كان يقوم – بوصفه المكلف بتنفيذ أوامر البابا يوحنا بولص الثاني – باستدعاء رجال الدين والأكاديميين الى روما للدفاع عن مواقفهم قبل أن يجبرهم على الوقيع على وثائق يتبرأون فيها من افكارهم.

كما كان يقوم “باسكات” او حتى طرد آخرين من الكنيسة. أصابت هذه السياسات الكثير من الليبراليين بالقنوط وخيبة الأمل، واطلقوا على راتزينغر لقب “الكاردينال الدبابة”، بينما نظر المحافظون الى تلك السياسات باعجاب.

صدر الصورة، AFP

التعليق على الصورة،

كان البابا بنديكتوس السادس عشر اصلاحيا في بداية حياته

احتجاجات

وهاجم راتزينغر لاحقا ما وصفها بالـ “نسبية الدينية”، وهو الاعتقاد القائل بعدم وجود دين واحد يمكنه ادعاء الحقيقة كلها او حق تمثيل مخلص العالم الوحيد.

وفي عام 2000، نشر وثيقة بعنوان “يسوع الرب”، وهي وثيقة اثارت جدلا كبيرا لأنها أكدت دون أي مواربة وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية بأنها هي الكنيسة المسيحية الوحيدة وان كل الكنائس الاخرى “مشكوك فيها”.

وفي اعقاب وفاة البابا يوحنا بولص الثاني في نيسان / ابريل 2005، ترأس الكاردينال راتزينغر – الذي كان آنذاك رئيس مجمع الكرادلة – قداس التأبين والقى عظة اساسها كلمة يسوع المسيح “اتبعوني”.

وبعد أيام قليلة، كان هذا ما فعله راتزينغر بالتحديد، إذ حصل على دعم الخلوة الانتخابية بعد 4 جولات تصويت فقط ليصبح الزعيم الروحي لكاثوليكي العالم البالغ عددهم1.3 مليار نسمة.

ولكن ايمانه بصحة وسيادة الكنيسة الكاثوليكية على سواها كان لابد أن يؤدي الى احتكاكات، ظهرت الى العلن عقب خطاب أثار الكثير من اللغط ألقاه في المانيا في ايلول / سبتمبر 2006.

فقد نقل البابا في الكلمة التي القاها في جامعة ريجنزبورغ التي عمل فيها استاذا للاهوت عن حاكم مسيحي من القرن الرابع عشر قوله إن إيمان النبي محمد بالجهاد هو أمر شرير ولا انساني.

ورغم امتناعه عن تأييد هذا الرأي علنا، ناقش البابا تفصيليا في كلمته الاسباب التي ينبغي من أجلها اعتبار نشر المعتقدات عن طريق العنف أمرا غير مقبول.

شجار امريكا الجنوبية

أغضبت تلك الكلمة المسلمين في شتى ارجاء الأرض الذين اعتبروا كلامه هجوما مباشرا على دينهم، وأجبر البابا بنديكتوس على الاعتذار.

لكنه لم يسحب ما تفوه به كما طالب كثيرون، بل قال فقط إنه يأسف لأن البعض اعتبر ما قاله جارحاً.

ولم يقتنع العديد من المعلقين بعبارات الاسف التي صدرت عن البابا، واشاروا إلى أنه يعتقد بأن حوار الاديان أمر صعب التنفيذ بينما لا يتمتع المسيحيون بحرياتهم الدينية في بعض الدول الاسلامية.

كما نشب لغط اثناء الزيارة التي قام بها البابا بنديكتوس الى أمريكا اللاتينية في عام 2007 عندما قال في كلمة ألقاها في البرازيل إن سكان القارة الاصليين كانوا “يتوقون سرا” للدين المسيحي الذي جاء به المستعمرون.

فقد احتجت عدة مجموعات تمثل السكان الاصليين، بينما قالت واحدة من هذه إن “ممثلي الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الزمن مع بعض الاستثناءات القليلة كانوا ضالعين ومنافقين ومستفيدين من واحدة من افظع المجازر في التاريخ البشري”.

واعترف البابا لدى عودته الى روما بأنه ليس من الممكن نسيان المعاناة والظلم الذي تسبب به الاستعمار للشعوب الاصلية في أمريكا الجنوبية.

ولكنه كرر التعبير عن رأيه القائل إن “الكاثوليكية في امريكا الجنوبية قد شكلت حضارة القارة بشكل ايجابي في السنوات الـ 500 الاخيرة”.

وقام البابا في عام 2009 بزيارة الى منطقة الشرق الاوسط لكنه لم يدل بآراء كتلك المذكورة آنفا.

فهاجم في كلمة القاها لدى وصوله الى اسرائيل ظاهرة معاداة السامية، وفي وقت لاحق، وفي نصب ياد فاشيم التذكاري لضحايا المحرقة اليهودية في القدس، دعا الى عدم “إنكار او استصغار او نسيان” معاناة الذين راحوا ضحايا تلك المحرقة ابدا.

متحضر

وعند لقائه برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمد عباس، دعا البابا ايضا الى اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة “داخل حدود معترف بها دوليا”.

ولكن صحته كانت تتدهور منذ قبل انتخابه، وجاءت مسؤوليات المنصب البابوي لتضيف الى ذلك. وكشف لاحقا بأن جهازا لتنظيم نبض القلب زرع له في عام 2005.

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة،

أصبح اول بابا يتخلى عن منصبه منذ البابا غريغوريوس الثاني عشر في عام 1215.

وفي الحادي عشر من شهر شباط /فبراير 2013، أحاط البابا كرادلته علما بأنه ينوي ترك منصبه بسبب تقدمه في السن وتدهور صحته.

كان البابا بنديكتوس السادس عشر يؤمن، حاله في ذلك حال استاذه وقدوته البابا يوحنا بولص الثاني، بوجود بديل مسيحي كامل للفلسفات الانسانية التي ظهرت في القرن العشرين كالماركسية والمادية والليبرالية.

ويمكن تلخيص ايمانه بحتمية انتصار المسيحية وسيادتها في قوله إن المسيحية “لابد أن تنهض من جديد مثلها مثل بذور الخردل، على شكل جماعات صغيرة يعيش افرادها في حرب مكثفة مع كل مصادر الشر في العالم بينما يظهرون ما هو خيّر”.

كان البابا بنديكتوس رجلا مثقفا لطيفاً دمث الاخلاق، وكان يجيد العزف على آلة البيانو ويتذوق موسيقى موزارت وبرامز بشكل خاص، كما كان يجيد التحدث بـ 8 لغات منها الالمانية والانجليزية والفرنسية والايطالية والبرتغالية والاسبانية.

كان الجزء الاكبر من إرث البابا بنديكتوس قد دخل حيز التطبيق فعلا حتى قبل بدء ولايته القصيرة نسبيا. فقد وضع هو وسلفه البابا يوحنا بولص الثاني الكنيسة الكاثوليكية في طريق ستواصل سلوكه لعدة سنوات مقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *